واشنطن توسّع حملة خنق الاقتصاد الإيراني.. الطيران والمصارف في قلب الضغوط الجديدة
تكثف الولايات المتحدة تحركاتها الاقتصادية والدبلوماسية لعزل إيران عن الأسواق وشبكات النقل والأنظمة المالية الدولية، في إطار حملة ضغط واسعة باتت تستهدف ليس فقط المؤسسات الإيرانية مباشرة، وإنما أيضًا الدول والشركات والمصارف الأجنبية التي تواصل التعامل مع طهران.
وتأتي الحملة في ظل استمرار المواجهة بين واشنطن وطهران حول مضيق هرمز والبرنامج النووي، وبعد أن دعا الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى تشديد العزلة الاقتصادية المفروضة على إيران.
وكانت وزارة الخزانة الأميركية قد أطلقت في آب/أغسطس حملة تحت اسم «Operation Economic Outcast»، قالت إن هدفها قطع ما تصفه بالروابط المالية والتجارية التي تسمح لإيران بمواصلة أنشطتها الخارجية، مع توسيع نطاق العقوبات الثانوية لتشمل جهات خارج إيران تتعامل معها.
الطيران الإيراني في قلب الحملة
وفي 8 أيلول/سبتمبر، فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على 36 جهة وشخصًا مرتبطين بقطاع الطيران الإيراني، بينهم عدد من شركات الطيران والوسطاء والشركات الأجنبية.
وقالت الوزارة إن القطاع يُستخدم، وفق اتهاماتها، لنقل أسلحة وأفراد وشحنات محظورة والحصول على طائرات وتقنيات أميركية المنشأ عبر شبكات وشركات وسيطة.
وبدأت تداعيات هذه الإجراءات تظهر سريعًا خارج الولايات المتحدة، إذ علّقت الإمارات، اعتبارًا من 24 أيلول/سبتمبر، جميع الرحلات التي تشغلها شركات طيران إيرانية من وإلى أراضيها حتى إشعار آخر، وقالت هيئة الطيران المدني الإماراتية إن القرار جاء في ضوء القيود الأميركية المفروضة على شركات الطيران الإيرانية.
كما توقفت رحلات لشركة ماهان إير إلى تركيا وسلطنة عُمان، فيما أفادت تقارير عن قيود أخرى طالت وجهات عدة، من بينها جورجيا والعراق. وفي المقابل، لا تزال بعض شركات الطيران الإيرانية تحافظ على مسارات دولية، خصوصًا باتجاه دول لا تطبق العقوبات الأميركية بالدرجة نفسها.
وتتجاوز الضغوط شركات الطيران نفسها، إذ تحذر واشنطن الشركات التي تقدم خدمات التزود بالوقود والمناولة والخدمات الأرضية من احتمال تعرضها لعقوبات ثانوية إذا واصلت التعامل مع شركات إيرانية مشمولة بالعقوبات.
البنوك تدخل دائرة الضغط
وتمتد الإجراءات أيضًا إلى القنوات المصرفية التي تعتمد عليها إيران في تحويل الأموال وتمويل تجارتها الخارجية.
ففي الإمارات، حظر المصرف المركزي على فروع بنك ملي إيران إجراء أي معاملات مالية من وإلى إيران، بما يشمل التحويلات وتمويل التجارة. لكن من المهم الإشارة إلى أن المصرف المركزي الإماراتي قال رسميًا إن الإجراء جاء على خلفية مخالفات تتعلق بقواعد مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وانتشار التسلح، وليس فقط بوصفه استجابة مباشرة للضغوط الأميركية.
وفي تركيا، ألغت هيئة التنظيم والرقابة المصرفية ترخيص فرع بنك ملت الإيراني في إسطنبول. وأرجع القرار الرسمي الخطوة إلى اعتبارات تتعلق بأمن واستقرار النظام المالي وحقوق المودعين، رغم أنها جاءت في توقيت يتزامن مع تصاعد حملة الضغط الأميركية على المؤسسات المرتبطة بإيران.
رسالة واشنطن: التعامل مع إيران قد تكون له كلفة
وتسعى الإدارة الأميركية، عبر ما تصفه بحملة «العزل الاقتصادي»، إلى دفع الحكومات والشركات الأجنبية إلى تقليص تعاملاتها مع طهران حتى دون صدور عقوبات أميركية منفصلة ضد كل جهة على حدة.
ويعتمد هذا الأسلوب على التهديد بالعقوبات الثانوية أو تقييد الوصول إلى النظام المالي الأميركي والدولار، وهي أدوات تمنح واشنطن نفوذًا كبيرًا على المصارف والشركات الدولية التي تعتمد على السوق الأميركية أو النظام المالي العالمي.
وكان وزير الخزانة سكوت بيسنت قد قال إن الهدف هو قطع ما وصفه بـ«الشرايين الاقتصادية» التي تسمح لإيران بمواصلة نشاطها المالي والتجاري خارج حدودها، فيما ترى طهران أن هذه الإجراءات تمثل حربًا اقتصادية وأداة ضغط سياسي.
الخليج يتحول إلى ساحة اختبار مهمة
وتبرز دول الخليج بوصفها ساحة رئيسية لهذه السياسة، نظرًا إلى الدور الذي لعبته تاريخيًا في حركة التجارة والتحويلات والرحلات الجوية الإيرانية.
وتظهر الإجراءات الإماراتية الأخيرة في قطاعي الطيران والمصارف مدى اتساع القيود، إلا أن دوافع كل قرار تختلف؛ فبينما ربطت هيئة الطيران الإماراتية تعليق الرحلات مباشرة بالقيود الأميركية، استندت إجراءات المصرف المركزي ضد بنك ملي إلى مخالفات رقابية ومالية معلنة رسميًا.
وهذا التمييز مهم، إذ لا يمكن اعتبار جميع الإجراءات التي اتخذتها دول المنطقة نتيجة مباشرة للضغوط الأميركية وحدها.
إيران ليست معزولة بالكامل
ورغم اتساع الحملة، لا تزال إيران تحتفظ بقنوات تجارية ومالية وجوية مع دول بينها الصين وروسيا.
وأفادت تقارير حديثة بأن بعض الرحلات الإيرانية إلى الصين لا تزال مستمرة، فيما لم تنضم بكين إلى الحملة الأميركية لعزل طهران اقتصاديًا.
وكانت واشنطن قد وسعت حملتها أيضًا إلى مؤسسات خارج إيران؛ ففي منتصف أيلول/سبتمبر أعلنت عقوبات جديدة على بنك VTB الروسي، متهمة إياه بمساعدة إيران ماليًا، في خطوة عكست انتقال الضغط من استهداف المؤسسات الإيرانية إلى ملاحقة الجهات التي يُشتبه بأنها تساعدها على الالتفاف على العقوبات.
بالتوازي مع أزمة مضيق هرمز
وتتزامن حملة الضغط الاقتصادي مع تحركات دبلوماسية بشأن مضيق هرمز والبرنامج النووي.
وكان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قد طرح خطة مدتها سبعة أيام، تتضمن إعادة فتح المضيق واستئناف المحادثات النووية إذا رفعت الولايات المتحدة الحصار البحري وخففت القيود على مبيعات النفط الإيرانية والتزمت بوقف لإطلاق النار وفق الشروط التي طرحتها طهران.
لكن ترامب أعلن في 26 أيلول/سبتمبر رفضه المقترح بصيغته الحالية، قائلًا إنه يريد اتفاقًا لكنه لا يقبل بالخطة المطروحة.
المواجهة تنتقل من البحر إلى البنوك والمطارات
وهكذا باتت المواجهة الأميركية–الإيرانية تمتد من مضيق هرمز والبرنامج النووي إلى المطارات والمصارف وشبكات التجارة الدولية.
وتبدو الاستراتيجية الأميركية الحالية قائمة على تضييق هامش الحركة أمام إيران تدريجيًا، ليس فقط عبر فرض عقوبات مباشرة عليها، وإنما أيضًا عبر رفع كلفة التعامل معها بالنسبة إلى الشركاء التجاريين والمؤسسات المالية وشركات النقل في دول أخرى.
ومع ذلك، فإن استمرار الروابط الإيرانية مع الصين وروسيا ودول أخرى يعني أن الحديث عن عزل اقتصادي كامل لا يزال سابقًا لأوانه، حتى مع اتساع نطاق