أعادت إصابة طفل يبلغ من العمر نحو 9 سنوات بالتهاب حاد في الدماغ، والاشتباه بإصابته بأميبا Naegleria fowleri، المعروفة إعلاميًا باسم “الأميبا آكلة الدماغ”، المخاوف والتساؤلات حول هذا المرض النادر، ولا سيما أن التحقيق الوبائي أظهر أن الطفل كان قد سبح في بحيرة طبريا قبل نحو أسبوع من إدخاله إلى المستشفى.
وفي حديث خاص لموقع وصحيفة “الصنارة”، شرح الدكتور مازن نصر الله طبيعة هذه الأميبا، وكيفية وصولها إلى جسم الإنسان والدماغ، والأعراض التي قد تسببها، ولماذا ترتبط الحالات بصورة أكبر بالمياه العذبة الدافئة وفصل الصيف، إلى جانب الوسائل التي يمكن من خلالها تقليل خطر الإصابة.
طفل في العناية المركزة بعد السباحة في بحيرة طبريا
وكانت وزارة الصحة قد أفادت، قبل نحو أسبوعين، بإصابة طفل يبلغ نحو 9 سنوات بالتهاب في الدماغ، حيث نُقل إلى قسم العناية المركزة في مستشفى رمبام، ووضع تحت التخدير ووُصل بجهاز للتنفس الاصطناعي.
وبحسب المعلومات التي نشرتها الوزارة، أُرسلت عينة إلى مختبراتها لإجراء فحوصات متخصصة، وأظهرت النتائج ما يدعم الاشتباه بأن إصابة الطفل ناجمة عن أميبا نادرة من نوع Naegleria fowleri.
وأظهر التحقيق الوبائي الأولي أن الطفل كان قد سبح في شاطئ “كورسي” في بحيرة طبريا قبل نحو أسبوع من إدخاله إلى المستشفى، الأمر الذي وضع مسألة التعرض للمياه العذبة في صلب التحقيق في مصدر العدوى.
ويُعد المرض نادرًا للغاية عالميًا، إذ إن عدد الحالات الموثقة منذ اكتشافه محدود جدًا مقارنة بملايين الأشخاص الذين يسبحون في المياه العذبة سنويًا.
الدكتور مازن نصر الله: الأميبا كائن حي وحيد الخلية
وشرح الدكتور مازن نصر الله، في حديثه لـ”الصنارة”، أن الأميبا هي كائن حي مجهري وحيد الخلية، موضحًا أن هذا يميزها عن الفيروسات التي تختلف من حيث بنيتها وطريقة تكاثرها.
وقال: “الأميبا من أصغر الكائنات الحية، وهي كائن وحيد الخلية. وعندما نتحدث بصورة عامة عن الأميبا فهذا لا يعني بالضرورة أننا نتحدث عن مرض خطير، لكن النوع الذي نتحدث عنه هنا مختلف، وهو من الأنواع التي يمكن أن تسبب مرضًا شديد الخطورة.”
وأشار إلى أن الحالات المرتبطة بهذه الأميبا في البلاد ما تزال قليلة جدًا، وهو ما يعكس مدى ندرة الإصابة، إلا أن ندرتها لا تقلل من خطورتها في حال حدوث العدوى.
لا تصل إلى الدماغ عبر المعدة.. بل عن طريق الأنف
ومن أبرز النقاط التي شدد عليها الدكتور نصر الله أن الطريق الأساسي المعروف لوصول Naegleria fowleri إلى الدماغ هو الأنف.
وأوضح: “هذه الأميبا تصل إلى الإنسان عن طريق الأنف، ومن هناك يمكنها أن تتحرك عبر المسار المرتبط بعصب الشم حتى تصل إلى الدماغ، وهناك يمكن أن تسبب أضرارًا شديدة جدًا.”
وهذه النقطة مهمة في فهم طبيعة المرض؛ فالعدوى لا ترتبط بمجرد وجود الإنسان في المياه أو شربه منها، وإنما بالخطر الناجم عن دخول مياه تحتوي على الأميبا إلى الأنف.
ولهذا يرتبط جزء كبير من الحالات المعروفة عالميًا بأنشطة مثل الغطس والقفز والسباحة تحت سطح الماء، حيث تزداد إمكانية اندفاع المياه إلى داخل الأنف.
لماذا تسمى “آكلة الدماغ”؟
ويُستخدم تعبير “الأميبا آكلة الدماغ” إعلاميًا لوصف Naegleria fowleri بسبب الضرر الشديد الذي يمكن أن تحدثه عندما تصل إلى الجهاز العصبي المركزي.
وقال الدكتور نصر الله إن وصول الأميبا إلى الدماغ يمكن أن يؤدي إلى حالة التهابية شديدة وخطيرة.
ويُعرف المرض طبيًا باسم التهاب السحايا والدماغ الأميبي الأولي أو Primary Amebic Meningoencephalitis – PAM، وهو التهاب حاد يصيب الدماغ والأغشية المحيطة به ويتطور بسرعة في الحالات المصابة.
المياه العذبة الدافئة هي البيئة الأكثر ملاءمة
ويربط الدكتور نصر الله وجود الأميبا بصورة أساسية بالمياه العذبة الدافئة.
وقال: “هذه الأميبا تعيش في المياه العذبة، وكلما كانت المياه أكثر دفئًا أصبحت الظروف أكثر ملاءمة لوجودها ونموها.”
وأضاف أن هذا الأمر يساعد في تفسير ظهور الإصابات بصورة أكبر خلال فصل الصيف، عندما ترتفع درجات حرارة المياه ويزداد في الوقت ذاته عدد الأشخاص الذين يمارسون السباحة والغطس.
وأشار إلى أن الينابيع الدافئة والمناطق التي ترتفع فيها حرارة المياه العذبة تستدعي اهتمامًا أكبر من ناحية الوقاية، مؤكدًا أن العامل المهم هو اجتماع المياه العذبة ودرجة الحرارة المرتفعة.
لماذا تسجل الحالات بصورة أكبر في الصيف؟
ويشرح الدكتور نصر الله أن ارتباط الحالات بفصل الصيف ليس أمرًا عشوائيًا، بل يرتبط بالظروف التي تساعد الأميبا على البقاء والنمو.
وقال: “كلما ارتفعت درجة حرارة المياه وأصبحت أكثر دفئًا، أصبحت إمكانية وجود الأميبا أكبر. ولهذا نرى الحالات أكثر في فصل الصيف.”
وأضاف أن انخفاض حرارة المياه خلال الشتاء يجعل الظروف أقل ملاءمة للأميبا مقارنة بالأشهر الحارة.
لكن وجود هذه الظروف لا يعني أن كل بحيرة أو نبع دافئ يحتوي بالضرورة على الأميبا، كما لا يعني أن كل من يسبح في مياه عذبة دافئة معرض للإصابة؛ إذ تبقى العدوى نادرة للغاية.
لماذا تظهر حالات كثيرة لدى الأطفال والفتية؟
وتطرق الدكتور نصر الله إلى ملاحظة ظهور المرض لدى الأطفال والفتية، موضحًا أن الأمر لا يعني بالضرورة أن أجسام الذكور أقل قدرة على مقاومة الأميبا.
وقال إن أحد التفسيرات يرتبط بطبيعة النشاط داخل المياه.
وأضاف: “نرى الحالات عند الأولاد أكثر، وليس بالضرورة لأن لديهم مناعة أضعف، وإنما لأنهم قد يمارسون الغطس والقفز واللعب في الماء بصورة تزيد من إمكانية دخول المياه إلى الأنف.”
وبالتالي، فإن نمط التعرض للمياه قد يكون أحد العوامل التي تفسر اختلاف معدلات الإصابة بين الفئات المختلفة.
الأعراض قد تبدأ بعد أيام من التعرض
ومن أكثر الجوانب خطورة في المرض أن الشخص قد يغادر مكان السباحة بصورة طبيعية، قبل أن تبدأ الأعراض بعد عدة أيام.
وأوضح الدكتور نصر الله أن الفترة بين التعرض وظهور الأعراض يمكن أن تختلف من حالة إلى أخرى، وقال إن الأعراض قد تبدأ خلال فترة تتراوح بين يوم و12 يومًا، وبمعدل يقارب خمسة أيام.
وهذا يعني أن الربط بين الأعراض والسباحة السابقة قد لا يكون واضحًا دائمًا للمريض أو عائلته، ولذلك تصبح معرفة التاريخ الحديث للتعرض للمياه معلومة مهمة للطبيب.
صداع شديد وحرارة وقيء.. علامات تستوجب الانتباه
وعن الصورة السريرية للمرض، أوضح الدكتور نصر الله أن الأعراض قد تشبه في بدايتها أعراض التهاب السحايا أو الدماغ الناجم عن أسباب أخرى.
وقال إن من أبرز العلامات التي قد تظهر ارتفاع درجة الحرارة، والصداع الشديد، والغثيان والقيء.
ومع تقدم الالتهاب قد تظهر أعراض عصبية أشد خطورة، من بينها تصلب الرقبة، واضطرابات عصبية، وتراجع مستوى الوعي والتشنجات.
وأوضح: “عندما يأتي مريض يعاني من حرارة وصداع شديد وقيء وأعراض تشير إلى إصابة الجهاز العصبي، يفكر الطبيب بإمكانية وجود التهاب في الدماغ أو الأغشية المحيطة به، وتصبح معرفة ما إذا كان المريض قد تعرض مؤخرًا لمياه عذبة دافئة معلومة مهمة.”
المرض يتطور بسرعة
ولا تكمن خطورة Naegleria fowleri في قدرتها على الوصول إلى الدماغ فحسب، وإنما أيضًا في السرعة التي يمكن أن تتدهور بها الحالة بعد بدء الأعراض العصبية.
وأوضح الدكتور نصر الله أن الالتهاب الذي تحدثه الأميبا في الدماغ قد يكون شديدًا للغاية، وقد يترافق مع تدهور سريع في حالة المريض.
وفي الحالات المتقدمة يمكن أن يعاني المصاب من اضطرابات شديدة في الوعي وتشنجات ومضاعفات عصبية خطيرة، ما يستدعي العلاج والمراقبة في وحدات العناية المركزة.
تحدٍ طبي كبير في العلاج
وتطرق الدكتور نصر الله إلى صعوبة علاج المرض، مؤكدًا أن التعامل معه يختلف عن الكثير من الالتهابات البكتيرية الشائعة التي تتوافر لها مضادات حيوية محددة.
وقال: “هذه عدوى نادرة جدًا وخطيرة جدًا، وليست مثل بعض الأمراض الجرثومية التي نعرف فيها المضاد الحيوي المناسب ونستطيع السيطرة عليها بسهولة.”
ويتم التعامل مع الحالات المصابة طبيًا من خلال رعاية مكثفة ومحاولات علاجية متعددة، إلى جانب دعم الوظائف الحيوية والتعامل مع المضاعفات العصبية وارتفاع الضغط داخل الجمجمة.
وبسبب الندرة الشديدة للمرض، تبقى الخبرة العلاجية العالمية محدودة، ولا يوجد علاج واحد يضمن الشفاء في جميع الحالات.
الوقاية تبدأ بمنع دخول المياه إلى الأنف
وفي ظل صعوبة المرض، شدد الدكتور نصر الله على أهمية الوقاية، وخصوصًا عند السباحة أو الغطس في المياه العذبة الدافئة.
وقال: “بما أننا نعرف أن الطريق الذي تدخل منه الأميبا هو الأنف، فإن إحدى أهم وسائل الوقاية هي محاولة منع دخول المياه إلى الأنف.”
وأشار إلى إمكانية استخدام مشبك مخصص لإغلاق الأنف عند السباحة أو الغطس، وخصوصًا لدى الأطفال والأشخاص الذين يمارسون القفز والغوص المتكرر في المياه.
وأوضح: “إذا كان الطفل يغطس ويقفز في الماء، فإن إمكانية دخول المياه إلى الأنف تكون أكبر. لذلك فإن إغلاق الأنف يقلل من هذا التعرض.”
مرض نادر.. ولا داعي للهلع
ورغم خطورة المرض، أكد الدكتور نصر الله ضرورة وضع الأرقام في سياقها الصحيح، وعدم تحويل الحالات الفردية إلى مصدر للهلع العام.
فعدد الحالات التي سجلت في البلاد خلال السنوات الأخيرة محدود جدًا، ما يؤكد أن الإصابة استثنائية ونادرة للغاية.
وقال إن الرسالة ليست الامتناع بصورة مطلقة عن السباحة، وإنما معرفة الظروف التي قد تزيد التعرض واتخاذ إجراءات وقائية بسيطة، خصوصًا في المياه العذبة الدافئة.
متى ينبغي طلب المساعدة الطبية؟
ويكتسب الوعي بالأعراض أهمية خاصة بسبب السرعة التي يمكن أن يتطور بها المرض.
فإذا ظهرت بعد السباحة في مياه عذبة دافئة أعراض شديدة مثل الحمى والصداع القوي والقيء وتصلب الرقبة أو تغير في الوعي أو تشنجات، فإن التوجه للحصول على تقييم طبي سريع يصبح أمرًا مهمًا، مع إبلاغ الطبيب بأن الشخص سبح مؤخرًا في مياه عذبة.
ولا تعني هذه الأعراض تلقائيًا الإصابة بأميبا Naegleria fowleri، إذ إن هناك أسبابًا عديدة وأكثر شيوعًا يمكن أن تؤدي إليها، لكن تاريخ التعرض للمياه قد يساعد الطواقم الطبية في تحديد الفحوص المطلوبة.
الدكتور نصر الله: التوعية الطبية ضرورية
وفي ختام حديثه، توجه الدكتور مازن نصر الله بالشكر إلى صحيفة وموقع “الصنارة” على الاهتمام بالتوعية الصحية، مؤكدًا أهمية تقديم المعلومات الطبية للجمهور بصورة مفهومة.
وقال: “شكرًا لجريدة الصنارة التي تعمل على التوعية الطبية، وآمل أن يستمر هذا الأمر. هناك الكثير من الأطباء المستعدين للشرح والتوجيه وتقديم المعلومات للجمهور.”
وتعيد الحالة الأخيرة التأكيد على أهمية الجمع بين الوعي والوقاية وعدم المبالغة في الخوف؛ فـNaegleria fowleri من مسببات العدوى شديدة الندرة، لكن قدرتها على الوصول إلى الدماغ والتسبب بمرض سريع وخطير تجعل معرفة طريقة انتقالها وأعراضها وإجراءات تقليل التعرض لها أمرًا بالغ الأهمية، وخصوصًا خلال أشهر الصيف وفي الأماكن التي تشهد سباحة وغطسًا في المياه العذبة الدافئة.