“ولادة من رماد” للمربي والباحث د. سهيل الحاج علّها ولادة جميلة تعقبها ولادات أجمل

0 8٬777

 

زياد شليوط – شفاعمرو – الجليل

 

أهداني المربي والصديق ابن قرية عبلين الجارة، د. سهيل جميل الحاج كتابه الصادر حديثا بعنوان: “ولادة من رماد: فرج سلمان، جورج نجيب خليل، سمعان دعيم”(1)، وكما هو واضح من العنوان فان الباحث يتناول بالبحث والتوثيق ثلاثة كتاب وشعراء من قريته عبلين، وهم من الرواد وأوائل الكتاب ليس في عبلين فحسب بل في بلادنا التي قامت فيها دولة إسرائيل عام 1948. كان الثلاثة من أوائل الشعراء والكتاب العرب الذين نشروا كتبا أدبية في أوائل عهد الدولة الجديدة، التي حلّت عليهم بعدما أدت الى ابتعاد وجلاء طليعة الكتاب والمثقفين العرب في تلك السنة، وانقطاع المواطنين العرب فيها عن عالمهم العربي الذي تواصلوا معه عبر السنوات الطوال دون حدود تفرقهم أو سدود تعزلهم.

جاء الكتاب في 149 صفحة من القطع الكبير، وعلى غلافه الأول لوحة تحمل صورة بورتريه للكتاب الثلاثة مع أسمائهم الثلاثية، وعلى الغلاف الأخير صورة الباحث وتظهير للكتاب بقلمه. وربما يكون أهم وأصدق ما جاء في التظهير: “هؤلاء الكتّاب لم يكتبوا من فراغ، بل من تجربة شخصية قاسية، ومن تماسّ مباشر مع الفقر، والاقصاء، والقيود الاجتماعية، والبحث الدؤوب عن العدالة والمعنى. جاءت نصوصهم بسيطة في لغتها، عميقة في أسئلتها، منحازة للإنسان، ومخلصة لقيم العمل، والكرامة، والرحمة”.

ثلاثة رواد في الأدب والعلم جمعهم تاريخ وبلد وواقع واحد وانجازات 

من الطبيعي أن يأتي التقسيم الداخلي للكتاب في ثلاثة فصول كل فصل يتحدث عن أحد الرواد إضافة الى مقدمة بقلم الباحث. وفي المقدمة يميط الباحث سهيل الحاج اللجام عن معنى ومقصد اسم الكتاب الملفت للنظر بالفعل، فيقول ان الاسم لم يأت لدلالة رمزية أو شاعرية بل لمسار انساني واقعي، ويضيف: “فالرماد الذي نشير اليه هو رماد النكبة، ورماد الفقر، ورماد الاقصاء والملاحقة، ورماد التهميش الذي أريد له أن يبتلع الصوت والكلمة. ومن هذا الرماد بالذات، لا من خارجه، ولدت التجارب التي يتناولها هذا الكتاب”(2)

ولد جورج في العام 1931 وفرج في العام 1936 وسمعان في العام 1938، أي انهم أبناء جيل واحد (جيل ثلاثينات القرن العشرين). وأصدر جورج كتابه الأول عام 1953 بعنوان “ورد وقتاد”، وسمعان أصدر “مع الموكب” عام 1958، وفرج أصدر “أبرياء وجلادون” عام 1960، ويمكن القول أيضا إن اصداراتهم جاءت متعاقبة ومتقاربة زمنيا، وإنهم أقدموا على مغامرة مشتركة ومتشابهة تجلت في الاقدام على النشر في سن مبكرة وهي العشرينات من عمرهم، مما يدل على أنهم سبقوا عمرهم معرفة وتجربة وعراكا مع الحياة، فالذي مرّ عليهم من قسوة الحياة في سن مبكرة كما سرد لنا الباحث، يدل على أنهم تخرجوا مبكرا من مدرسة الحياة في غنى فكري ومعرفي. واكتفى الباحث بالتوقف عند الإصدار الأول لكل منهم، متحدثا عن ظروف اصدار الكتاب وما تعرض له من هجوم ونقد ظالمين من ذوي القربى خاصة، بينما كان نصيب فرج من الهجوم الأرعن من جانب السلطة الجديدة وأذرعها الأمنية والأدبية والإعلامية، حيث تعرض لتحريض كبير بدعوى أنه “يكره اليهود” ووجهوا له الاتهامات الباطلة بالتحريض والعنصرية.

أما جورج تعرض لهجوم من ناحية وإهمال وتجاهل مقصودين من ناحية أخرى، وهذا ما ولّد في نفسه مرارة لم تهدأ مع مرور الأعوام، وقد أفصح عن ذلك في لقاء صحفي مع كاتب هذه السطور في العام 1992، حيث قال: ” التعتيم كان وما زال ولا أعتقد أنه سيزول، فالأسباب لا زالت موجودة وهي نابعة من عدم انتمائي لأي فئة سياسية في البلاد…”(3).  

ويقف الباحث الحاج ابن القرية والذي عرف أولئك الرواد عن قرب، وعاش معهم حقبا من الزمن وفهم ما مرّ عليهم من ضائقة وشظف العيش وقساوة الحياة وما واجهوه من تحديات وصعوبات. فلهذا جاء دفاعه حارا وصادقا وأمينا، مستنكرا تجريد الشاعر جورج من “الوطنية” أو الصاق تهمة “العنصرية” بالكاتب فرج، مستشهدا بمواقفهم وكتاباتهم التي لا تترك مجالا للشك في صدقهم وجرأتهم وانسانيتهم.

لا شك أن ما أقدم عليه الباحث الدكتور سهيل الحاج من عمل توثيقي أمر في غاية الأهمية، ويعتبر عملا افتتاحيا عليه أن يواصل هذه المهمة التي أخذها على عاتقه، بحيث يقدم لنا نماذج أخرى من الرواد أبناء قرية عبلين على أكثر من صعيد منها الأدبي والثقافي وكذلك الفني، إلى جانب التعليمي والتربوي والاجتماعي. وهناك قامات كبيرة خرجت من هذه القرية الصغيرة الوادعة، والتي يجب أن يتم تخليدها وتستحق ذلك. وهناك همسة أهمسها في أذن باحثنا العزيز متسائلا: لماذا لم يستعرض لنا إصدارات وأعمال ومنجزات الرواد الثلاثة، واكتفى بالإصدار الأول لكل منهم؟ حبذا لو استكمل المهمة وقدم لنا المعلومات كاملة، لتبقى محفوظة في الذاكرة التاريخية، على أمل أن نلتقي مع كتابه التوثيقي القادم قريبا.

إشارات:

  1. صدر الكتاب عن دار سهيل عيساوي للطباعة والنشر، كفر مندا،

 2026

  1. م. س، ص 11-12 
  2. لقاء صحفي مع الشاعر جورج نجيب خليل، نشر في صحيفة “كل العرب” في 24/4/1992

 

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected] - [email protected]

قد يعجبك ايضا
/*
<\/div>
<\/div>
<\/div>
<\/div>
<\/div>
<\/div>
<\/div>
<\/div>
<\/div><\/div>"}; /* ]]> */