غلاء معيشي خانق يطرق الأبواب: ارتفاعات مرتقبة في الأسعار تكشف هشاشة الأجور في البلدات العربية
تدخل الأسر في إسرائيل، ابتداءً من الأسبوع المقبل، مرحلة جديدة من الغلاء المعيشي المتصاعد، مع حزمة واسعة من الارتفاعات في تكاليف الحياة الأساسية، تشمل أسعار المياه والكهرباء والوقود، ورفع ضريبة الأرنونا، إلى جانب ارتفاع أسعار عشرات السلع الغذائية والخدمات اليومية. كما يُنتظر رفع قيمة الدفعة الشهرية للتأمين الوطني، في وقت يستمر فيه تجميد نقاط الاستحقاق وعدم الإعلان عن أي خطط حكومية لدعم المواطنين أو رفع المعاشات، ما يزيد من العبء الاقتصادي على شرائح واسعة من المجتمع.
هذه التطورات تأتي في ظل واقع اقتصادي هش، خصوصًا داخل المجتمع العربي، الذي يعاني أصلًا من فجوات عميقة في الأجور وفرص العمل، وفق ما كشفه تقرير الأجور الصادر عن مؤسسة التأمين الوطني للنصف الأول من عام 2025.
البلدات العربية في صدارة الأجور المتدنية
وبحسب التقرير، بلغ متوسط الأجر الشهري في إسرائيل 15,098 شيكل، إلا أن البلدات العربية ما زالت تتصدر قائمة المدن ذات الأجور المنخفضة. وجاءت كل من الناصرة ورهط ضمن المدن الأدنى أجرًا، إلى جانب مدن مثل بني براك وبيت شيمش، في مؤشر يعكس استمرار الفجوة بينها وبين المدن المركزية ذات القوة الاقتصادية.
وسجّلت مدينة الناصرة متوسط أجر شهري بلغ 11,415 شيكل، وهو أقل بشكل ملحوظ من المتوسط العام، فيما جاءت رهط في المراتب الدنيا على مستوى البلاد، بمعدل أجور يتراوح بين 8 و9 آلاف شيكل شهريًا، وهو اتجاه ثابت لم يشهد تغييرًا جوهريًا خلال السنوات الأخيرة، رغم التصريحات الرسمية المتكررة حول تقليص فجوات الأجور.
ارتفاع اسمي… وتآكل فعلي في القدرة الشرائية
وعلى صعيد المقارنة الزمنية، يظهر التقرير أن الارتفاع في الأجور داخل المجتمع العربي كان محدودًا للغاية. فبين النصف الأول من عام 2024 والنصف الأول من عام 2025، ارتفعت الأجور بنحو 3%، إلا أن الارتفاع الحقيقي، بعد احتساب التضخم، لم يتجاوز 0.7%، ما يعني عمليًا بقاء القدرة الشرائية شبه راكدة، بل متآكلة أمام موجات الغلاء المتلاحقة.
ويُظهر الأجر الوسيط في السوق، الذي بلغ 10,586 يكل، أن نصف العاملين في إسرائيل يتقاضون أقل من هذا المبلغ، وهو مؤشر يعكس وضعًا أكثر صعوبة في البلدات العربية، حيث تتركز فرص العمل في قطاعات منخفضة الأجر، مع محدودية العمل الإضافي أو التوظيف متعدد الوظائف مقارنة بالمجتمع اليهودي.
ورغم تسجيل تقلص طفيف في فجوة الأجور العامة خلال العامين الأخيرين، إلا أن الفجوة بين البلدات العربية والمدن ذات الطابع الاقتصادي القوي، مثل تل أبيب وهرتسيليا، ما زالت واسعة، إذ يتجاوز متوسط الأجر في هذه المدن 22 ألف شيكل شهريًا، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف متوسط الأجر في بعض البلدات العربية.
ويخلص التقرير إلى أن هذه الفجوات ليست مؤقتة أو ظرفية، بل بنيوية، وترتبط بتوزيع فرص العمل، ومستوى الاستثمار، وطبيعة التشغيل، ما يثير تساؤلات جدية حول نجاعة السياسات الاقتصادية الحالية تجاه المجتمع العربي.
خبير اقتصادي: الأسر تتجه نحو القروض والإنهاك الجسدي
وفي تعقيبه على هذه المعطيات، قال الخبير الاقتصادي ساهر بركة إن الأرقام تشكّل “الدليل الأكبر على ما حذرنا منه طوال الأشهر الماضية”، مضيفًا: “المجتمع العربي هو صاحب الدخل الأدنى، وهو المتضرر الأكبر من غلاء المعيشة، وما ينتظره ابتداءً من الأسبوع القادم من ارتفاعات معيشية صعبة وخانقة”.
وأوضح بركة أن المعاشات التي لا تتجاوز 9 آلاف شيكل لرب أسرة لديه زوجة وأطفال، تجعل من تدبير شؤون الحياة اليومية أمرًا شبه مستحيل، في ظل الالتزامات المتراكمة من فواتير كهرباء ومياه واتصالات وإنترنت، وشراء المواد التموينية واللحوم، وملابس الأطفال، إلى جانب أقساط القروض أو المركبات وتكاليف الوقود.
وأضاف: “هذا المواطن سيضطر في النهاية إلى اللجوء للقروض، ويغرق في دوامة مديونية، لأن كل شيء يرتفع ثمنه، بينما المعاشات لا ترتفع بما يتناسب مع هذا الغلاء”.
وأشار بركة إلى أن الحلول المتاحة باتت محدودة ومكلفة اجتماعيًا، مثل العمل الإضافي لساعات طويلة، أو خروج الزوجة إلى سوق العمل، وهو خيار تصطدم تبعاته بتكاليف الحضانات ورعاية الأطفال، أو لجوء معيل الأسرة للعمل بعد ساعات الدوام، ما يشكل عبئًا جسديًا ونفسيًا كبيرًا.
وختم بالقول: “وصلنا إلى مرحلة صعبة جدًا، لا يمكن التعامل معها كما كان الحال قبل 20 أو 30 عامًا. الحياة اليوم أكثر تعقيدًا ومتطلباتُها مكلفة للغاية، في ظل غياب حلول اقتصادية حقيقية”.