تقرير خاص بـ”الصنارة” | سنة دراسية جديدة تحمل تحديات جدية.. لكن الأدوات ما تزال تقليدية
على سبيل المثال، في امارة متحضرة ومستقبلية مثل دبي، قررت الحكومة ادخال موضوع الذكاء الاصطناعي في المنهاج الدراسي ابتداء من هذا العام وأحضرت الآف المدرسين الجدد المختصين بالمادة.
باتت المدارس تقف أمام تحديات من نوع جديد، تهدد كيان المدرسة ومبنى برنامجها التعليمي التقليدي، وخاصة بعد دخول التقنيات الحديثة وعالم التكنولوجيا الى المدارس، وخاصة أجهزة الكمبيوتر وما يرافقها من تطبيقات وبرامج وتجديدات وصرعات وآخرها الذكاء الاصطناعي المعروف برمزه والمحادثات الاصطناعية وغيرها، أضف إلى ذلك المواضيع الحياتية المتسارعة ومنها الاقتصادية والادارة المالية.
بناء على ذلك كله وحرصا منا على مواكبة المستجدات التعليمية، وعشية السنة الدراسية الجديدة، أجرت صحيفة “الصنارة” لقائين مع خبيرين في تلك المواضيع، على أن نتوقف في الأسابيع القادمة أمام تحديات أخرى.
فريال مساد، معلمة ومرشدة
في مجال الاقتصاد، الإدارة والتوعية المالية لـ “الصنارة”:
المنظومة التربوية الحالية لا تتماشى مع مدى التغيرات في عالم التجارة والمال
الصنارة: ما هي التحديات الجديدة التي تواجه مدارسنا عشية السنة الدراسية الجديدة؟
مساد: تواجه منظومة التعليم عامة في البلاد، عشية السنة الدراسية المقبلة تحديات كثيرة وبشكل خاص في المدارس العربية. هذا ما لمسته وألمسه من خلال علاقاتي ومتابعاتي للمدارس اليهودية والعربية. فالتحديات عديدة أمام تلك المدارس مع بداية السنة الدراسية، وخاصة أمام التغيرات الكبيرة في التعليم اليوم، والمنظومة التربوية الحالية التي لا تتماشى مع مدى التغيرات في عالم التجارة والمال مما يخلق فجوات عديدة.
حسب تقرير فحص المهارات لدى الطلاب والذي أجري من قبل OECD بهدف دراسة اعداد الخريج لمواجهة التحديات بعد المدرسة، تبين مع النقص في المضامين التعليمية التي تعزز المهارات المطلوبة مثل القدرة على اتخاذ القرارات، الادارة المالية، قيادة طواقم عمل. الدولة متأخرة قياسا لمدارس مشابهة في العالم.
الصنارة: على مستوى منظومة التربية والتعليم، ما هي التحديات المقلقة؟
مساد: أول تحد في مدارسنا العربية هو عدد الطلاب المرتفع داخل الصفوف (38 طالبا بالمعدل)، فأي معلم/ة مع قدراته الأكاديمية، لن يكون بمقدوره الوصول لكل طالب نظرا للعدد الكبير، مما يخلق فجوات تعليمية داخل الصف.
التطورات التكنولوجية التي حصلت وأحدثها الذكاء الاصطناعي، اضافة الى التطبيقات المختلفة مثل “يو تيوب” وسواها، التي لا تأخذها المناهج بعين الاعتبار، والمدارس تبدو مقصرة تجاهها. فالطلاب لديهم القدرة على استخدام التقنيات الحديثة، بينما يقف المعلم حائرا حيال ذلك. وزارة التربية تمنح استكمالات ذكاء اصطناعي وتعزز استخدامه لكن هناك فجوة كبيرة بين الموجود والمنشود.
ومن التحديات الكبيرة بعد تخرج الطلاب، أن يواجه الخريجون مشكلة اللغة للتخاطب والتي تشكل عائقا كبيرا أمامهم. اليوم هناك برامج لتعليم اللغة في الخطاب العملي، والمطلوب أن تتعامل المدارس بجدية مع هذا الموضوع لإعداد الطلاب للحياة بعد المدرسة. مع العلم أن السيدة شيرين ناطور حافي، مديرة المعارف العربية، تضع أمام عينيها هذا الموضوع.
الصنارة: سبق لك وأكدت على أهمية تدريس الادارة المالية في مدارسنا، هل هناك تجاوب كاف مع دعوتك؟
مساد: ينقص مدارسنا موضوع الاقتصاد والتسويق وخاصة التربية المالية. لقد اهتمت مدارسنا في السابق على التربية على القيم وأساليب الحياة وهذا مهم، لكن اليوم ونتيجة تطور الحياة بات من الضروري تربية أبنائنا على الادارة المالية السليمة، واعدادهم للحياة العملية بعد المدرسة والتي تدخل فيها الجوانب المالية في معظم مناحي الحياة. اذا وجد الطالب في بيت تنعدم فيه الثقافة المالية سيقع الطالب في مشكلة وسيعيش في فجوة معرفية. هذا الأمر يفسر لنا أسباب اغلاق مصالح تجارية حديثة العهد، فذلك ناتج عن انعدام الثقافة المالية لدى أصحاب المصالح، الذين لا يمتلكون الأدوات الصحيحة للحفاظ على مصلحتهم
ويقعون في مشاكل مادية ويضطرون في كثير من الأحيان التوجه للسوق السوداء، والحصول على الأموال بطرق غير مشروعة، فيتورطون في الديون ويقعون فريسة للعنف والاجرام، مما يفاقم الجريمة في مجتمعنا، لذا يجب تثقيف الأبناء أيضا على الادارة المالية الى جانب المواضيع الأخرى.
الصنارة: وماذا مع مسألة ادخال الهواتف النقالة للمدارس؟
مساد: تحد آخر تواجهه مدارسنا وهي معضلة استخدام الهواتف النقالة داخل المدرسة والصفوف. لقد تواصلت مع معلمين كثر ومن أصحاب الخبرة والتجربة، للتشاور في كيفية مواجهة هذه الظاهرة السلبية، لكن لم نستطع التغلب على الظاهرة وأخذنا ننظر الى تلك الهواتف على أنها عدو لنا، وطالما هي في متناول أيدي الطلاب في المدرسة ويصعب عليهم التخلي عنها، لأن الطالب يجلس في الصف ويستمع للمعلم، لكن عقله وشعوره مع الهاتف النقال وكل صوت أو اشارة تصدر عنه.
هناك مدارس لجأت إلى منع الطلاب من استخدام الهواتف النقالة داخل الصفوف، مما خلق مواجهة جديدة بين الطلاب والمعلمين والادارة، شكلت عائقا في السيرورة التعليمية، بدل تسهيل الأمور.
بروفيسور رجا جريس، أستاذ في هندسة الكهرباء في جامعة تل ابيب، متواجد حاليا في “سلكون ڤالي” (كاليفورنيا) ويعمل في مختبر شركة “آبل” في الولايات المتحدة الأمريكية: التغييرات كبيرة مع الذكاء الاصطناعي على جميع الأصعدة لكن مداها غير معروف في الوقت الحالي
الصنارة: هل المنهاج التعليمي الموجود يعد طلابنا للمواضيع الدقيقة، وهل يهيء طلابنا للمرحلة الجامعية؟
جريس: التحضير للمستقبل كان موجودا في مدارسنا وهو موجود حاليا بشكل عام. معرفة الذكاء الاصطناعي يحتاج الالمام بموضوعين وهما الرياضيات واللغة الانجليزية، فالتعامل مع الآلات والشركات يحتاج للغة والرياضيات هامة للمعلومات وتنفيذ التقنيات المطلوبة. والذكاء الاصطناعي بات أداة قوية تستخدم في كل مجالات الحياة: معلومات، كتابة، مصارف وغيرها. يبقى من المهم أن يستخدم طلابنا الذكاء الاصطناعي بطريقة جيدة وايجابية.
الصنارة: هل مدارسنا مهيأة لادخال الذكاء الاصطناعي في برنامجها التعليمي؟
جريس: وزارة المعارف تحاول ادخال الموضوع للمدارس، ورصدت ميزانيات لهذا الغرض. هناك برامج تهدف الى اعداد الطلاب من خلال دورات خاصة للتعرف على البرنامج. أظن أنه يجب استخدام الذكاء الاصطناعي سواء من قبل الطلاب أو/ و المعلمين. هذا البرنامج موجود في مدارس خارج البلاد بشكل واسع. الطلاب يكتبون مثلا مواضيع انشاء والذكاء الاصطناعي يساعد على تصليح الانشاء. من المهم معرفة خطورة استخدام هذا البرنامج الى جانب ايجابياته، فهناك تطبيقات متعددة فيه يمكن أن يستخدمها الطالب بشكل سلبي وغير لائق، وبالتالي يقع ضحية له.
الصنارة: ما هي الخطورة في استعمال الذكاء الاصطناعي؟
جريس: استخدامه بشكل مسيء هو مكمن الخطورة. يجب ألا نصدق كل ما نسمعه من الادارة. الذكاء الاصطناعي مثل الانترنت، له جوانب سلبية كما له جوانب ايجابية. على الأهل مراقبة أبنائهم ومعرفة البرامج التي يتعاملون بها ومرافقتهم، وهذا يتطلب زيادة الوعي والمعرفة عند الأهل حول الظاهرة الجديدة.
الصنارة: كيف ندخل البرنامج للمدارس دون تأهيل المعنيين؟
جريس: من الواضح أنه يجب العمل على تأهيل المعلمين في المدارس للتعامل مع هذا البرنامج، من خلال برامج ودورات تأهيلية وكذلك تأهيل الطلاب. هناك وجهان للموضوع: البرامج غير كافية وهناك أشخاص يستصعبون التكيف مع المتغيرات المستحدثة، كما حصل لدى ادخال أجهزة الكمبيوتر للمدارس.
الصنارة: بات معلوما أن الذكاء الاصطناعي سيؤدي الى تغييرات كبيرة في المدارس مثل طريقة التعليم والاستغناء عن المعلمين، كيف سيؤثر ذلك على العملية التعليمية؟
جريس: لا شك بأن تغييرات كبيرة ستحدث خاصة في سوق العمل، لكن من الصعب معرفة مدى ذلك التغيير والى أين سيصل. فالتغيير واقع على الأطباء والمحامين والمحاسبين وغيره، وبالطبع سيقع على المعلمين والعملية التعليمية. كيف سيكون التغيير وما هو مداه لا يمكن معرفة ذلك في الوقت الحالي أو تصور أبعاده.
من المعروفة أنه للمدرسة جانب اجتماعي الى جانب الجانب التعليمي، والسؤال هل سيتم فصل الجانب الاجتماعي عن التعليمي في عهد الذكاء الاصطناعي؟ الذكاء الاصطناعي يقدم امكانية الحصول على معاملة خاصة وفردية لكل طالب، على عكس ما كان فالمعلم ليس لديه القدرة أو الامكانيات لتقديم المعاملة الفردية. وهل ستنتهي المحاكاة أو التقليد، حيث تعلم كثير من الطلاب من خلال التقليد أو المحاكاة للمعلم.
الصنارة: ما هي النصيحة التي تقدمها للأهل؟
جريس: للأهل دور كبير. وكما كان عليهم دور مع دخول الانترنت، كذلك اليوم المهمة كبيرة على عاتقهم في متابعة أبنائهم في الذكاء الاصطناعي، لذا من المهم أن يكونوا على وعي كاف ومعرفة كبيرة في الموضوع، وعليهم في الوقت ذاته الحفاظ على العلاقات الشخصية الأسرية مع أبنائهم، وترك فسحة للحديث الشخصي معهم. يجب أن نشجع أولادنا على التعامل مع الأجهزة الدقيقة، لكن يجب الحذر من الادمان عليها والانعزال عن العائلة والحياة الاجتماعية.