“تشارلي”.. من حلم مستحيل إلى مسرحية موسيقية

0 7٬790

بعد النجاح الملحوظ الذي حققته مسرحية “تشارلي” خلال عرضها بالموسم الأول في يوليو/تموز 2022 بالقاهرة وضمن فعاليات موسم الرياض في السعودية خلال يناير/كانون الثاني الماضي على مسرح محمد العلي عاد العمل إلى العرض بموسم جديد في العاصمة المصرية.

مسرحية “تشارلي” تأليف مدحت العدل، وإخراج أحمد البوهي، وبطولة جماعية لكل من محمد فهيم، ونور قدري، وأيمن الشيوي، وداليا الجندي، والمطرب هاني مصطفى، وروان الغاب، بالإضافة إلى أكثر من 50 فنانا استعراضيا.

صمم الاستعراضات عمرو باتريك، والديكور حازم شبل، والأزياء ريم العدل، أما الألحان فألّفها إيهاب عبد الواحد ووزعها نادر حمدي، وسُجلت الموسيقى التصويرية بين فرنسا ومقدونيا.

تنتمي المسرحية إلى فئة الأعمال الموسيقية الاستعراضية الشبيهة بما يقدم على مسارح برودواي، وهو أمر غير معتاد في الوطن العربي لما تتطلبه من إنتاج ضخم.

وعلى عكس ما قد يتوقعه البعض من عمل فني عن حياة تشارلي شابلن (أحد أهم نجوم السينما والمؤثرين في صناعتها بالتاريخ وملك الكوميديا الصامتة) لا يمكن وصف المسرحية بالكوميدية بأي حال من الأحوال.

الصراع الأبدي بين السلطة والمواطن

يستعرض العمل الجانب الإنساني في حياة تشارلي، ويسلط الضوء على الصعوبات التي واجهها خلال مشواره العملي وصراعاته الداخلية، وتأثير مأساته الشخصية وعلاقته المعقدة مع أمه على إبداعاته واختياراته الفنية، وتقاطع كل ذلك مع ما يجري بالشأن السياسي العام وموقف السلطة منه.

واتسم تعاطي الجمهور مع ما شاهده على المسرح بالكثير من الوعي الممزوج بحالة خالصة من الانبهار والاستمتاع، سواء في مصر أو السعودية، وهو ما فاجأ صانعي العمل، فمع كامل إدراكهم أهمية ما يقدمونه لكن التقدير والحفاوة الفورية اللذين وجدوهما أدهشاهم وجعلاهم يعيدون تقييم الوعي الثقافي للمشاهد العربي، بل وشجعاهم على المضي قدما والتحضير لاستكمال العروض بالخارج، سواء في دول عربية أخرى أو أميركا وأوروبا.

حلم مستحيل مشترك

بدأ الأمر كحلم في 2012 حين أعلن الممثل محمد فهيم عبر صفحته على فيسبوك أمنيته بتجسيد شخصية شابلن يوما ما، وهو ما آمن به وأخذه بجدية وظل لسنوات يجتهد ليصبح نجما شاملا كتشارلي، فشرع في تعلم الرقص والغناء وبعض المهارات الحركية الأخرى التي تجعله مستعدا للفرصة ما إن تلوح في الأفق، وينوي تعلم الإخراج والموسيقى والشروع في الإنتاج وامتلاك أستوديو خاص به مستقبلا.

وبحلول 2021 شارك فهيم حلمه مع صديقه المخرج أحمد البوهي الذي تحمس للفكرة، واستمر الاثنان طوال 8 أشهر يبحثان الأمر ويشاهدان كل الأفلام والوثائقيات والسير الذاتية ويقرآن الكتب والأبحاث التي ارتبطت بشابلن، وحين اختمرت الفكرة وصار لديهما سيناريو مبدئي للعرض الذي يرغبان في تقديمه توجها إلى الكاتب مدحت العدل على أمل إقناعه بحلمهما ومشاركتهما إياه.

المفاجأة كانت إيمانه الفوري بالعمل وإصراره على كتابته بالكامل من قصة وأغنيات وأشعار وحوارات مُقفّاة حتى أنه شاهد 53 فيلما عن حياة شابلن خلال 4 أيام فقط. وهي جرعة الحماس نفسها التي صدرت عن الملحن إيهاب عبد الواحد حين عُرض عليه العمل، فمن جهة يصف عبد الواحد نفسه بأنه مجنون بحب شابلن كونه الممثل الوحيد الذي كان يؤلف الموسيقى التصويرية لأعماله ويلحن أغانيه بنفسه، ومن جهة أخرى لأنه يعشق المسرح الغنائي.

تلك الحالة المتقدة من الشغف التي تعامل بها صانعو العمل مع المشروع امتدت لتشمل الممثلين والراقصين وجعلتهم لا يتوانون عن قضاء 1800 ساعة بين التحضير والبروفات المسرحية التي شملت عشرات التعديلات والتغييرات، لتكون النتيجة نحو 30 استعراضا و40 أغنية و55 قطعة موسيقية.

عمل فني متكامل

لم يقتصر تميز العمل على الغناء والشعر والرقص والتمثيل، فقد كانت الأزياء من النقاط الإيجابية أيضا في مسرحية “تشارلي”، إذ برعت ريم العدل بتصميم أزياء مناسبة لسرعة العرض وحاجة الممثلين لتبديل الملابس خلال ثوان.

وتمكنت العدل عبر اختيارها الأزياء أن تعكس الفترة الزمنية التي دارت خلالها الأحداث، بداية من عام 1900 وطفولة تشارلي حتى عام 1972 ولحظة حصوله على جائزة الأوسكار الفخرية نظير مساهمته القيمة في صناعة السينما بعد غياب دام 20 سنة عن الولايات المتحدة الأميركية التي منع من دخولها لأسباب سياسية.

كذلك جاء الديكور للمصمم حازم شبل حقيقيا ويعكس موهبة صاحبه، ففي حين تضم المسرحيات الضخمة عادة من 8 إلى 9 تغييرات بالديكور ضمت “تشارلي” 56 تغييرا جرت بسلاسة دون أي إزعاج بصري أو قطع للحالة الشعورية واندماج الجمهور.

أما على مستوى السرد فلجأ المؤلف والمخرج إلى استخدام أسلوب سرد غير منتظم شديد التعقيد وقدماه بحرفية ملحوظة، وظل المشاهد قادرا على معرفة الخطوط الفاصلة بين الأزمان والاستمتاع بالحبكة وتداخلاتها.

ما أشبه البارحة باليوم

تعد مسرحية “تشارلي” تحديا صارخا للذائقة الجماهيرية السائدة حاليا وخطوة جريئة إن لم تكن متهورة في ظل الصعوبات الإنتاجية بعد جائحة كورونا والأزمة الاقتصادية التي تركت أثرها على الجميع.

لهذا يُحسب لصانعي العمل -وعلى رأسهم المؤلف والمنتج- الانتصار لفكرة تقديم حياة شابلن على المسرح وامتلاكهم من الشجاعة ما يكفي للربط بين الأحداث التاريخية التي جرت قديما وما يمر به العالم في الوقت الحالي من صراعات وخلافات سياسية، مسلطين الضوء على التشابه المخيف مع معاناة المواطن اليومية حاليا في ظل كساد وبطالة وخوف من الأنظمة الحاكمة.

المصدر : الجزيرة

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected] - [email protected]

قد يعجبك ايضا