اخر الاخبار
تابعونا
اسعار العملات
جنيه مصري - 0.2053
ليرة لبناني 10 - 0.0213
دينار اردني - 4.5437
فرنك سويسري - 3.5196
كرون سويدي - 0.3725
راوند افريقي - 0.22
كرون نرويجي - 0.3705
كرون دينيماركي - 0.5109
دولار كندي - 2.5547
دولار استرالي - 2.3494
اليورو - 3.7991
ين ياباني 100 - 2.9325
جنيه استرليني - 4.4302
دولار امريكي - 3.222
استفتاء

الصنارة في زيارة لمتحف التراث الشعبي -من زمان كان- في قرية شعب

زياد شليوط

"التراث هو خلاصة ما خلفته الأجيال السالفة للأجيال الحالية، وهو ما خلفه الأجداد لكي يكون عبرة من الماضي ونهجا يستقي منه الأبناء الدروس ليعبروا بها من الحاضر إلى المستقبل، وهو بمثابة الجذور في الشجرة، فكلما غاصت وتفرعت الجذور كانت الشجرة أقوى وأثبت وأقدر على مواجهة تقلبات الزمان". هذا ما يقوله ويؤمن به الدكتور عيسى حجاج، مدير ومؤسس متحف التراث الشعبي "من زمان كان"، في قرية شعب.

عندما وصلنا الى المتحف استقبلنا الأستاذ عيسى بأريحية تذكر باستقبال العرب القدامى لضيوفهم، فأول ما يستقبلك بفنجان القهوة، الذي سنأتي على ذكره ومعانيه لاحقا. وبعد ذلك قمنا بجولة في أقسام المتحف برفقة مديره (أبو وسام) الذي قدم لنا الشرح المقرون بالقصص التراثية الجميلة، حول العادات والتقاليد وخاصة الضيافة عند العرب واستعمال القهوة، الحياة في البيت، أدوات الزراعة والمهن العديدة، الملابس التراثية ومدلولاتها وغيرها الكثير.

يقع المتحف في طابق أرضي من مبنى خاص بالأستاذ عيسى، ومن منطلق عشقه للتراث وما حمله من قيم وأعراف وتقاليد، لجأ إلى جمع بعض التحف والأدوات القديمة وهو معلم مدرسة، وازداد تعلقه بهذا الارث الحضاري لشعبنا، وأخذ يتعمق فيه بحثا وجمعا، وطاف عدة بلدات باحثا عن أدوات وأغراض وقطع قديمة، وخاصة في بلدات الضفة الغربية في مقاطعة طولكرم ونابلس والخليل وغيرها. وعندما خرج للتقاعد من مهنة التعليم قرر الاهتمام بانشاء متحف للتراث الشعبي، رغم امتعاض والده من عمله في البدايات، لكن ايمانه القوي بما يفعله وبالرسالة الوطنية والانسانية والمجتمعية التي يحملها، دفعته لأن يواصل جهده حتى نجاحه في اقامة المتحف يجهده الشخصي وعلى نفقته متحملا الخسائر المادية وعناء السفر والتنقل، إلى أن تمكن من افتتاح متحف التراث الشعبي "من زمان كان"، باحتفال جماهيري كبير عام 2014، بحضور شخصيات مجتمعية ودينية وسياسية من مختلف أوساط مجتمعنا العربي والبلاد عامة.

يزور المتحف طلاب المدارس والمجموعات المختلفة من بيوت المسن والنوادي والمؤسسات، حيث يستقبلهم الأستاذ عيسى، يقدم لهم الشرح عن محتويات المتحف، وينفذ الفعاليات والورشات المختلفة، وتنتهي الجولة بضيافة خاصة في الخيمة العربية المقامة إلى جانب المتحف، تقدم فيها المأكولات الشعبية التراثية وكاس الشاي أو فنجان القهوة العربية، كما تستخدم الخيمة لأمسيات ثقافية من قبل هيئات ثقافية.

 

نبدأ جولتنا مع الأستاذ عيسى مع الملابس العربية القديمة سواء للمرأة والرجل، ويشرح لك عن فستان المرأة وما تعنيه الخطوط المرسومة عليه، حيث تدل اذا كانت المرأة متزوجة أم عزباء، مطلقة أم أرملة. أما ثوب الرجال وخاصة الحطة وعليه العقال بأوضاعه المختلفة التي تدل إما على مركز الرجل أو وضعه الاجتماعي. وننتقل إلى البيت العربي القديم وما يحويه من أدوات وآلات في العمل، فالمطبخ وأوعيته الخاصة باعداد الطعام واضرام النار سواء في الطابون وبعد ذلك (البريموس) وخلافه، وتخزين الطعام وصناعة الجبن واللبنة واعداد الخبز وغيرها من مأكولات شعبية كانت تصنع في البيوت، قبل أن تغزونا اللآلات الكهربائية والمصانع الحديثة. وننتقل إلى أدوات الحراثة المختلفة وأدوات المهنيين الذين انتشروا في الحقب السابقة مثل النجار والحداد والاسكافي والمبيّض (منظف الأدوات النحاسية) والعطار وأعشابه البرية للاستعمالات المختلفة. وهناك الحلي والمجوهرات والعطور التي كانت تستخدمها النسوة، إلى جانب قطع السلاح القديمة. 

وخلال الجولة نصل إلى الخيمة العربية المصغرة، وهي نموذج لخيمة شيوخ القبائل العربية التي كانت مفتوحة دائما أمام الضيف أو المحتاج أو طالب الحماية وما شابه. وهنا يدعوك الأستاذ عيسى للجلوس ويبدأ بالحديث عن القهوة وأصول تقديمها وما يعنيه كل فنجان، ويطعم شرحه بقصص شعبية تراثية تضفي رونقا للشرح، بأسلوبه الممتع والذي يجيد فيه التكلم باللهجة البدوية، فهو ليس مجرد دارس وهاو للموضع بل عاشق له ويعيش معه بكل جوارحه، كما لا بد وأن تستحضر أغاني سميرة توفيق البدوية في هذه الجلسة، وخاصة التي تنشد فيها للقهوة وتقول في إحداها "والقهوة السمرا للكيف لرجال السيف".

القهوة سرّ من أسرار العرب وميزة خاصة بهم

جميعنا نعلم وبذاكرتنا المتناقلة بأن القهوة أهم ما يقدم للضيف حتى في أيامنا، ومهما قدمت له من طعام أو فواكه وحلويات، تبقى الضيافة ناقصة إذا لم تقدم لضيفك القهوة، فمن أين جاءت تلك العادة، وما هي أهمية القهوة في تراثنا وما هي أشكالها؟ يقول الأستاذ عيسى "للقهوة أهمية كبيرة في حياة سكان البادية تصل الى حد التقديس، حتى ان بعض الشيوخ يوصي وصية بوضع معاميل القهوة على قبره، لأنه صاحب كيف وكرم في حياته وهو من أجاويد الله".

وقد اشتهر العرب القدماء بتقديم القهوة السادة أي المرّة، وتقدم القهوة ليلا نهارا وبكل المناسبات، وكانت القهوة تقدم في فناجين مختلفة وكل فنجان له رمز ومدلول؟ فأول فنجان بعد إعداد القهوة يسمى "فنجان الهيف" وهو الفنجان الذي يشربه المضيف (المعزّب) قبل الضيف للدلالة على ان القهوة خالية من العيب أو الغدر. والفنجان الثاني "فنجان الضيف" الذي يقدم للضيف اكراما له ويدل على قبوله كضيف ويرمز للعيش والملح. والثالث "فنجان الكيف" الذي يتناوله الضيف من باب اللذة والاستمتاع بمذاق القهوة. والرابع "فنجان السيف" ويعني عقد اتفاق او حلف بين الضيف والمعزب يتوجب على كل طرف ان يدافع عن الطرف الآخر في حال الاعتداء عليه.

وهناك آداب لتقديم فنجان القهوة وطريقة في حمله، والقهوة تعتبر مفتاح الكلام ولها فوائد عديدة. والقهوة تمر في عدة مراحل حتى اعدادها للشرب وتنقل بعدة أوعية لها أسماء مختلفة مثل: الدلّة بأحجامها المختلفة، المحماسة، السواطة.

هذه جولة سريعة تهدف للتعريف بالمتحف الذي يحمل اسمه فهو فعلا "من زمان كان"، حيث تجد فيه كل ما كان في الزمان السابق لزماننا، ويشكل ذخرا تراثيا حيويا لمن يهمه الاطلاع على عادات أجدادنا وتقاليدهم ومدلولات تلك العادات والتقاليد.

وهذه الزيارة هي تحية للأستاذ عيسى حجاج، الذي يستحق كل تقدير واحترام على جهده الوطني الكبير، فالوطنية ليست شعارات وسياسة مباشرة، حيث حافظ على تراث الأجداد والآباء وصانه من الاندثار والنسيان، وها هو ينقله للأجيال كي يبقى حيا في الوجدان وعلى أرض الواقع.


>>> للمزيد من مقالات ومقابلات اضغط هنا

اضافة تعليق
مقالات متعلقة