بتير بلدة فلسطينية من ضواحي القدس عريقة بتاريخها وتراثها وطبيعتها الساحرة

', '
', '
', '
', '
', '
', '
', '
' ); $rand_keys = array_rand($input, 1); echo $input[$rand_keys] . "\n"; ?>

زياد شليوط

اسم "بتير" علق بذهني منذ أيام الطفولة نتيجة حادث مأساوي لا يبرح ذاكرتي، وطوال العمر كان لدي دافع داخلي لزيارة ذاك الموقع، ولم أتصور أن أجد قرية عامرة ومثيرة بتضاريسها وتاريخها وميزاتها، عندما زرتها الأسبوع الماضي لأول مرة بصحبة العائلة. 

تقع بلدة بتير التاريخية، على بعد ثمانية كيلو مترات جنوب القدس، وتبعد عن مدينة بيت لحم نحو خمسة كيلو مترات، فهي احدى قراها الغربية المحاذية لمناطق عام 1948. وتحيط بأراضيها أراضي قرى الولجة وبيت جالا وحوسان والخضر. كما تمر في أراضيها سكة حديد يافا – القدس التاريخية. يرجع بعض المؤرخين -من بينهم المؤرخ الفلسطيني مصطفى مراد الدباغ-  سبب تسمية "بتير" إلى الأصل الكنعاني العربي حيث سماها الكنعانيون "بيت الطير"، والمقصود بالطير هنا "النسر"، الذي كان يُعشعش في أوكار جبالها العالية.

بتير.. بلدة أشبه بالنسر المتربع على ظهر الجبل

في طريق عودتنا من بيت لحم، مررنا ببيت جالا وقبل أن تصل الحاجز العسكري على طريق الخليل – القدس، تنحرف يمينا وتمر أسفل الشارع الرئيسي وبعدها تتجه يمينا في الطريق المؤدي إلى بيت شيمش، ومباشرة تدخل في شارع فرعي من جهة اليمين وبعد عدة كيلو مترات تصل قرية بتير. مدخل القرية لا يوحي بأنك ستصل إلى قرية سياحية وأثرية من الدرجة الأولى، فعلى الجانبين ورشات عمل وحوانيت وبيوت تدل على المستوى الاقتصادي للسكان وعلى الحالة المعيشية البائسة، لكن تفاجأ على جانب الطريق بسور عال من الحججارة الأنيقة وبوابة كبيرة، فتنظر واذ خلفهما مبنى كبير مشيد على الطراز الحديث أشبه بالقصور، ربما يعود لأحد الأثرياء الفلسطينيين ابن المكان.

نصل القرية ونستدل على الأماكن من خلال طرح الأسئلة على أهل القرية، الذين لا يتأخرون بالرد عليك وتقديم الشرح المطلوب والوافي بكل أريحية، نتجه نحو محطة قطار يافا – القدس، في منحدر صعب وشارع ملتو، فالمحطة موجودة في أسفل القرية الشامخة والمرتفعة على الجبل. والتي أقامها العثمانيون عام 1905م وتواصل العمل فيها في عهد اسرائيل، وشكلت قبل عام 1967 نقطة لهروب بعض الشبان العرب إلى الأردن، فهي محاذية للحدود ولا يفصل خط السكة عنها أكثر من مترين. لكن عمل القطار توقف منذ عامين، بعد اجتياح جائحة كورونا، كما أخبرنا أحد شباب القرية الذي التقينا به في المكان.

بجانب المحطة وبعيدا عن أحياء القرية توجد مدرسة حكومية للبنين، بدأت نشاطها التعليمي زمن الاحتلال البريطاني لفلسطين، كان يتعلم فيها أبناء القرية حتى الصف الخامس قبل أن ينتقلوا إلى القدس لإكمال دراستهم هناك، وداخل القرية مدرسة إعدادية للبنات، تابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين القلسطينيين، تأسست عام 1954، لتكون بتير من أوائل القرى الفلسطينية التي اهتمت بتعليم البنات.

منطقة عين البلد والبركة الرومانية المطلة على مناظر طبيعية ساحرة

نعود صعودا إلى ساحة القرية الرئيسية، نوقف السيارة وأول من نقابله فتاة في مقتبل العمر، تجلس داخل كشك لبيع الأكسسوارات المحلية الصنع والتي تتسم بالطابع الفلسطيني شكلا ومضمونا، لكنها خرجت لاستقبالنا حالما شاهدتنا وقبل أن نسألها أخذت تشرح لنا عن البلدة وما نشاهده فيها وما يتوقع أن نشاهده. وتشير الى الجهة المقابلة للكشك الى عين البلد، قائلة بأن هذا هو النبع الذي يروي أهالي وأراضي القرية، وتؤكد لنا بأن الماء صافية ونظيفة ويمكن الشرب منها. نتقدم نحو البركة الرومانية، وننزل اليها بدرجات حجرية حادة، وعند كل زاوية تصادف امرأة أو أكثر تجلس وأمامها أصناف وأنواع من النباتات الغذائية المعروضة للبيع بسعر زهيد: الزعتر، البقدونس، النعنع، الفجل، الحويرة، الشومر، الخس وغيرها، وتأخذ النساء بتقديم الشرح عن جودجة تلك النباتات المنتقاة من حقول القرية والتي لا تعرف الأسمدة الكيماوية.

نواصل النزول إلى أن نصل إلى البركة الرومانية، مما يؤكد على عراقة وقدم القرية، وفيها تتجمع المياه النازلة من عين البلد، وتستمر في أنابيب لتروي الحقول المنتشرة على سفوح الجبل والمعروفة باسم "المدرجات"، وإلى جانب البركة مقهى ومطعم شعبي، يمكنك الجلوس فيه للاستراحة والتمتع بالمناظر الطبيعية، حيث تجلس في قمة الجبل وأمامك المشاهد الساحرة للمدرجات الخضراء المزروعة بالخضار على أنواعها، وأسفل القرية محطة القطار والبيوت المترامية. 

ونظرا لأهمية بتير الجمالية والتراثية ولجمال بساتينها الخضراء المتدرجة، أدرجت القرية على لائحة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة "اليونسكو"، في عام 2014، وكانت السلطة الفلسطينية قد اهتمت بإدراجها على قائمة التراث لمنع اقامة الجدار الفاصل على أراضي القرية.

بتير .. تاريخ وحضارة ومسارات ومواقع سياحية

يذكر المؤرخ الدباغ أن بتّير كانت في عهد الرومان قلعة حصينة، وقد أوقع الرومان على إحدى روابيها هزيمة ساحقة بجماعات يهودية متمردة على الحكم الروماني القائم في إيليا القدس، حين لجأت إليها هذه الجماعات بقيادة القائد اليهودي باركوخبا عام 135م، ولم ينج منهم سوى إثنين تسللا من أحد الشعاب المجاورة ، ولا زالت آثار قلعة رومانية باقية في بتير .

كما توجد مغاور وأرضيات مرصوفة بالفسيفساء، بالإضافة إلى مقامات لقبور بعض الصحابة المجاهدين الذين رافقوا الفتح الإسلامي لفلسطين.

وتشتهر بتير بحاراتها التاريخية الجميلة المطلة على واديها وبساتينها الخضراء، ومن هذه الحارات الهامة المشهورة حارة "السبع أرامل" التي ارتبط اسمها بأصالة المرأة البتيرية الصابرة المثابرة .

والى جانب الأماكن الأثرية هناك مسار سياحي داخل الطبيعة يصل الى بيت جالا، وعلى الجهة الأخرى للقرية هناك منتزه البلدية ومنتجع بتير السياحي وبيت ضيافة، كذلك يوجد في القرية متحف صناعات عائلات بتير والمتحف البيئي.

 


>>> للمزيد من مقالات ومقابلات اضغط هنا

بتيربلدةفلسطينيةمنضواحيالقدسعريقةبتاريخهاوتراثهاوطبيعتهاالساحرة
اضافة تعليق
مقالات متعلقة

ام الفحم: تكريس المخيمات الصيفية للطلاب لسد...

محمود نجيدات مسؤول معرفة البلاد في وزارة...

أزمة السكن باتت عائقا أمام الشبان العرب وسببا...

دهامشة : المشتركة لن نفاوض الموحّدة ما دام...