البروفيسور بشارة بشارات : "ركّزنا على الكورونا لأنها ستلازمنا فترة طويلة ولأن مجتمعنا أكثر من قاسى منهاط

عقد يوم أمس الأول الإربعاء في فندق غولدن كراون في الناصرة المؤتمر ال-13 ل"صحة المجتمع العربي على محور الزمن"، وذلك بمشاركة واسعة من الأطباء والعاملين والمختصين في الشؤون الصحية في البلاد من المجتمعين العربي واليهودي.
حول أعمال هذا المؤتمر وما تم التركيز عليه والتوصيات التي صدرت عنه أجرينا هذا اللقاء الخاص مع رئيس المؤتمر ورئيس جمعية تطوير صحة المجتمع العربي البروفيسور بشارة بشارات.
الصنارة: على ماذا تم التركيز في مؤتمر صحة المجتمع العربي على محور الزمن الثالث عشر؟
البروفيسور بشارات: بدأنا في موضوع الكورونا حيث أنّ المجتمع العربي اكثر مجتمع في البلاد قاسى من الكورونا. فقد أصابتنا جائحة الكورونا بشكل كبير ونسبة الحالات التي كانت في وضع صعب في مجتمعنا أعلى بكثير من النسبة في المجتمع الثاني (حوالي الضعف) والوفيات ،قياساً مع نسبة السكان، كانت حوالي ثلاثة أضعاف. كذلك فإنّ معدل أعمار المتوفين في المجتمع العربي كانت أقل من معدل الأعمار في المجتمع اليهودي بحوالي 10 سنوات. حيث كان معدل جيل الوفيات من الكورونا في المجتمع اليهودي حوالي 81 سنة بينما المعدل في المجتمع العربي 73-72 سنة.
رأينا من الأهمية بمكان التركيز على الكورونا لأنّ وضعنا كان صعباً بسبب جائحة الكورونا التي أتت فجأة وأثّرت كثيراً على مجتمعات العالم والتأثير الأكبر كان على الأقليات في أنحاء العالم وعلى القرويين وفي المجتمعات الضعيفة اجتماعياً واقتصادياً. كذلك كشفت جائحة الكورونا عن الفروقات التي كانت موجودة من قبل وجعلتها تطفو على السطح.

الصنارة: على سبيل المثال؟
البروفيسور بشارات: أحد الأشياء التي كانت مضرّة في الكورونا هو أنّ مريض السكري تكون الكورونا صعبة عليه أكثر, وبما أنّ السكري في المجتمع العربي يعادل ضعف النسبة لدى المجتمع اليهودي ومضاعفات السكري لدينا عالية, لذا فإنّ مرضى السكري الذين لديهم مضاعفات السكري الصعبة كانوا فريسة لڤيروس الكورونا أكثر بكثير من المجتمع اليهودي. لذلك هناك حاجة لأن نعيد حساباتنا كمجتمع من حيث الاهتمام بالتحذيرات والالتزام بتعليمات وزارة الصحة, هل كانت تصرّفاتنا, كقيادة وكمجتمع, بالشكل الصحيح, وهل هناك ما يجب تصليحه في المستقبل.. الكورونا لن تتركنا بسرعة.

الصنارة: وهل صدرت عن المؤتمر توصيات خاصة, بهذا الخصوص, للمجتمع العربي وللمؤسسات الرسمية؟
البروفيسور بشارات: طبعاً. كانت هناك توصيات للمؤسسات الرسمية في الدولة وتوصيات أخرى للمجتمع العربي أهمها أنّ الكورونا ليست من ورائنا, بل هي الى جانبنا وستلازمنا لفترة طويلة, لذلك على كل من لم يتطعم لغاية الآن أن يسارع ويتلقى التطعيم. كذلك, نذكر أنّ أوج تفشي الكورونا في العام الماضي في المجتمع العربي كان في الأعراس وها نحن في فترة الأعراس وكثيرون من مجتمعنا ما زالوا غير متطعمين, لذا يجب الحذر في الأعراس ويُفضّل أن تتم الأعراس في الهواء النقي, خارج القاعات ومن لا يستطيع تنظيم العرس الاّ في القاعات, عليه الانتباه أنّ هناك أشخاصاً غير متطعمين. ولو كان الأمر متعلقاً بي شخصياً لكنت أوصي بأن لا يُسمح لأشخاص غير متطعمين بدخول القاعات, لأن إمكانية أن يكون هؤلاء معديين بالكورونا وأن ينقلوا العدوى الى الآخرين أعلى من باقي الناس, كذلك فإن وضع الكمامة والتباعد المكاني لمسافة مترين هي أشياء صغيرة ولكن أهميتها عظمى في منع تفشي المرض. فقد توفي الكثيرون من مجتمعنا الذين لم يكونوا على حافة الموت بسبب حالات مرضية مثل الحالات الصعبة من السرطان أو أمراض القلب, بل كانوا سليمين تماماً وأصيبوا بالعدوى لعدم لبسهم الكمامة. توفوا وبكينا عليهم كثيراً. لذلك يجب الاّ نعود الى نفس السلوك الذي سلكناه في العام الماضي وأن لا نقع في نفس التجربة.

الصنارة: وماذا بالنسبة للأولاد الذين لم يتلقوا التطعيم؟
البروفيسور بشارات: على الأهالي تشجيع وحث أولادهم في سن 12-16 على تلقي التطعيم بدون أي تأخّر أو تأجيل فالآن التطعيم موجود ومن لم يتطعم الآن سيضطر الى الانتظار حتى شهر أيلول. التطعيمات متوفرة ومجانية.

الصنارة: وماذا تناولت أعمال المؤتمر غير الكورونا؟
البروفيسور بشارات: نشرنا خلال المؤتمر, لأوّل مرّة, التقرير السنوي لصحة المجتمع العربي. في هذا التقرير موجودة كل الفروقات في الصحة ووفيات الرضع ومعدّل حياة الانسان وكم نشرب من السوائل المحلاّة أكثر من المجتمع اليهودي.
التقرير يتناول كل مجالات الصحة والتصرفات الصحية في مجتمعنا. كذلك طلبنا تنفيذ البرنامج لتطوير صحة المجتمع العربي الذي أعددناه سنة 2019 مع وزارة الصحة وجمعيات مجتمعية أخرى في المجتمع العربي ووزارة المساواة, هذا البرنامج كان ينتظر الميزانيات, ولكن بما أنّه منذ 2019 كان هناك شلل حكومي وشلل سلطوي ولم تكن هناك ميزانية للدولة مصادق عليها, لذلك لم يتم تنفيذه. لذلك نُطالب اليوم وزير الصحة ووزير المالية والحكومة بأن يمنحونا الميزانية لهذا المشروع, فقد نتمكن من تحسين حياة المجتمع العربي أكثر.

الصنارة: هل تم التطرق الى أهم الأمراض التي يعاني منها المجتمع العربي بشكل خاص؟
البروفيسور بشارات: واضح أنّ أغلب الأمراض الموجودة اليوم في المجتمع العربي والتي تسبب الوفيات هي أمراض مزمنة التي يمكن منعها. فمرض السكري يمكن منعه, فهو ليس قدراً مكتوبا , فقليلون هم الذين يولدون مع السكري. السكري يحصل لأننا نأكل الكثير من السكر والنشويات. أغلب الأمراض الموجودة في مجتمعنا يمكننا منعها, والحوادث التي يتعرض اليها الأولاد العرب يمكن منعها, والأمراض الوراثية يمكننا منعها عن طريق الفحص قبل الزواج, فيما اذا كانت هناك ملائمة جينية بين الرجل والمرأة, ومن خلال الامتناع عن زواج الأقارب الذي مازال رائجاً في مجتمعنا.
وعملياً, برنامج الصحة الذي دعونا له ليس علاجاً بل هو اكثر للتوعية من أجل منع الأمراض. فمنع شرب المشروبات المحلاّة بكمية كبيرة من السكر يجب أن يبدأ في المدارس, التي يجب أن تكون معزّزة للصحة, وكذلك على البلديات أن تكون شريكة في برنامج "البلديات الصحية", علماً أنّ عدد البلدات العربية التي تشارك في هذا البرنامج قليل جدا. هناك الكثير من العمل الذي يمكن عمله مقابل المجتمع ومقابل وزارة الصحة كي نتمكن من التقليل من الأمراض الموجودة اليوم في مجتمعنا وكي نلائم العلاج والصحة والفحوصات للخصوصيات الثقافية والجينية لمجتمعنا.

الصنارة: ماذا تقصد بالخصوصيات الجينية؟
البروفيسور بشارات: في المجتمع اليهودي سرطان الثدي يحصل في جيل قريب للستين بينما عند العرب يحصل في جيل قريب من الخمسين, وحسب قانون التأمين الصحي, الكشف المبكر يبدأ في جيل الخمسين بينما نصف النساء يبدأ عندهن سرطان الثدي قبل الخمسين. لذلك فإن الفحص المبكر الذي يجري في جيل 50 فقط لا يلائم الخصوصيات الجينية لمجتمعنا العربي. لذا يجب البدء بإجرائه من جيل 40. وهذا ما نسميه ملاءمة الخدمات الصحية لخصوصيات المجتمع الجينية, واليوم كان هناك بحث كبير تم عرضه في المؤتمر عن سرطان الثدي لدى النساء العربيات والنساء اليهوديات الذي يؤكد أنه يجب ان نبدأ بالفحوصات من أجل الكشف المبكر في جيل 40 سنة.
كذلك فإن نسبة سرطان الرئة في المجتمع العربي أعلى والسبب هو التدخين ويمكن منعه من خلال تقليل التدخين أو الامتناع عنه كليا.

الصنارة: وماذا عن أمراض القلب في المجتمع العربي؟
البروفيسور بشارات: نسبة أمراض القلب في المجتمع العربي أعلى من المجتمع اليهودي وأيضاً في جيل أصغر. المواطن العربي (بالمعدل) يصاب بأوّل نوبة قلبية في جيل 50 بينما في المجتمع اليهودي في جيل 56. كذلك فإنّ الوفيات عندنا بسبب أمراض القلب أكثر ومعدّل حياة الإنسان عندنا أقل.
أمراض القلب والجلطة الدماغية وأمراض الشلل الكلوي (الدياليزا) مربوطة مع مرض السكري. فنسبة السكر العالية في الدم تغلق الشرايين وتسبب أمراضاً في الأوعية الدموية في القلب والدماغ والكلى. ونسبة الذين يتعالجون لغسل الكلى (الدياليزا) تعادل ثلاثة أضعاف النسبة في المجتمع اليهودي وسبب هذا كله هو مرض السكري.

الصنارة: ناهيك عن بتر الأطراف؟
البروفيسور بشارات: بتر الأطراف بغالبيته موجود في المجتمع العربي وهذا سببه السكري العالي جداً وإحدى النصائح للناس لتفادي ذلك هو أن يتناولوا الخبز المصنوع من القمح الكامل لأنه يخفض السكر بنسبة 30-36%.

الصنارة: منذ سنوات "شننت حرباً شعواء" على الخبز الأبيض هل كان هناك تجاوباً من الناس؟
البروفيسور بشارات: ضروري أن يتحوّل الناس الى خبز القمح الكامل لأنّ الخبز الأبيض مضرّ جداُ. على المخابز أن يبيعوا خبز القمح الكامل بسعر الخبز الأبيض, الاّ أنّ سعره أغلى.. يجب توفير الدعم المالي لخبز القمح (سوبسيديا), وهكذا يشتري الناس خبز القمح الكامل لأنّه أكثر فائدة. هناك الكثير من الأمور التي يمكن عملها لتحسين صحة مجتمعنا ومنع الأمراض أفضل وأرخص بكثير من معالجتها, واقل ألماً. مثل الكورونا، منعها أفضل بكثير من معالجتها.

الصنارة: هل تعتقد أن مجتمعنا العربي ينقصه برامج توعية وبرامج تثقيفية بشكل منهجي في مجال الصحة؟
البروفيسور بشارات: طبعا, ينقصنا ما يسمّى "التنوّر الصحي" , والتنوّر الصحي مستواه في مجتمعنا العربي ليس كافياً ويجب أن يكون في المدارس وفي النوادي وفي كل مكان. هذا الأمر يتطلب رصد ميزانيات وهذا بحد ذاته سيمنع جزءاً كبيراً من الأمراض ويقلّل المصروفات على المستشفيات وعلى علاج الأمراض.

الصنارة: بمسؤولية من يجب أن يكون هذا الأمر؟
البروفيسور بشارات: المسؤولية يجب أن تكون مشتركة. هناك مسؤولية على الحكومة وهناك مسؤولية مجتمعية علينا. فكما لاحظنا في الكورونا, لم تكن قياداتنا قدوة حسنة دائماً. فقد رأينا أن المشاركة في الأعراس كانت تتم بشكل مخالف للتعليمات, وللأسف الشديد, قليلة هي المرات التي كانت القيادة تلتزم بنمط حياة صحي, القيادة الطبية والقيادة المجتمعية أيضاً, فإذا التزمت هذه القيادات بنمط حياة صحي يكون بإمكانها إقناع الناس باتباع نمط حياة صحي, يجب أن لا نضع كامل المسؤولية على الحكومة بل أيضاً على قيادة مجتمعنا العربي.

 


>>> للمزيد من مقالات ومقابلات اضغط هنا

اضافة تعليق
مقالات متعلقة