د. شادي فرح، المحاضر والباحث في معهد التخنيون في لقاء حصري وخاص مع "الصنارة"


توصلنا الى تطوير محلول من مواد ذكية ذات صفات معينة، للحد من انتشار فيروس كورونا بشكل مباشر ولفترات طويلة
هناك عدة شركات متطورة ومتقدمة في مجال البحث على البشر أبدت رغبة مبدئية بالتعاون معنا
مواد التعقيم الموجودة اليوم في السوق، فاعليتها محدودة مؤقتة، ولا يوجد ما يؤكد انها مضمونة
من مميزات فيروس كورونا أنه معد وقادر على البقاء على وجه المسطحات لفترة طويلة


زياد شليوط

هو ابن كفرياسيف، متزوج وعنده طفلة (3 سنوات)، خريج مدرسة "يني يني" الثانوية.
درس وتخرج من الجامعة العبرية في القدس حاملا شهادة الدكتوراة في الكيمياء الطبية.
سافر الى الولايات المتحدة الأمريكية للتخصص في تطوير "البوليمارت" وتطوير أدوية وطرق علاجات جديدة، في مستشفى بوسطن للأطفال ومعهد M.I.T التابع لكلية الطب في جامعة هارفارد، باشراف العالمين دان أندرسون وروبرت لانغر، لمدة 5 سنوات وحصل بعدها على بوست دكتوراة.
انضم الى معهد التخنيون في حيفا مع بداية السنة الدراسية الحالية كمحاضر كبير في كلية الهندسة الكيماوية، ويقود فريق أبحاث في تطوير أدوية جديدة لأمراض مختلفة منها السرطان، السكري وغيرها.
التقيت وزميلي موسى بصول المحرر في "الصنارة نت" الدكتور شادي فرح، في مكتبه في معهد التخنيون أول أمس الأربعاء، وأجرينا معه اللقاء التالي الخاص بصحيفة "الصنارة" وموقع "الصنارة نت"، وقام الدكتور شادي باصطحابنا الى المختبر الخاص به وبفريقه، وهناك التقينا بباحثين شابين من فريقه المساعد يدرسان في التخنيون. وبعدها زرنا أيضا المختبر الجديد والحديث والواسع الذي يجري حاليا على اتمام العمل فيه للانتقال اليه قريبا، وهذا يؤكد على تقدير معهد التخنيون لأبحاث وانجازات الدكتور شادي فرح وفريقه. وتمحور حديثنا حول كيفية محاربة فيروس كورونا والوقاية منه، وماهية هذا الفيروس وآخر المستجدات المتعلقة به وبمحاربته.

الصنارة: قيل الكثير في فيروس كورونا، ما هو الجديد الذي يمكن لك أن تقدمه لنا حول هذا الفيروس وطبيعة انتشاره؟
د. شادي: ان الكورونا الذي نتعامل معه في هذه الفترة ليس فيروسا جديدا، انما هو عبارة عن عائلة فيروسات من عدة أنواع، عرفنا بعضها سابقا وكوفيد 19 أكثرها أذى، وهو فيروس تاجي له مميزات معينة ويحمل بروتينات وهي تدخل الجسم وتكون هناك مستقبلات لها على جدران الخلية تحولها الى مصنع تنتج الفيروسات.
الفيروس ينقل المادة الوراثية والخلية تخضع له. هذا الفيروس ومقارنة بغيره مثلا سارس كوف 1/2003 درجة التشابه بينهما تصل الى 80% لكن تختلف طرق التعامل معها. طرق التعامل مع تلك الفيروسات كانت محدودة النجاعة. من مميزات هذا الفيروس قدرته على البقاء على وجه المسطحات لفترة طويلة، وهو معد ويمكن لكل انسان بالمعدل أن يعدي من 3-5 أشخاص، ومع تسلسل العدوى أظهرت التقديرات بان كل انسان ممكن ان يعدي 3500 شخص. وهناك عدة دراسات حول مدة بقاء فيروس كورونا على المسطحات، ومن اهمها دراسة علمية صادرة عن "نيو انجلند" أظهرت انه يبقى عدة أيام. ومقالة علمية من مركز مكافحة الأمراض والوقاية في الولايات المتحدة (CDC) بينت ان السفينة اليابانية التي أصيبت بالكورونا، بقي الفيروس عليها 17 يوما. والدراسات أكدت أنه يمكث على البلاستيك والورق 5 أيام، على الخشب والحديد 4 أيام، وحتى يبقى على الكفوف التي نضعها في أيدينا، وهناك ثقافة لاستعمال الكفوف نتحدث عنها لاحقا.
من مميزات الفيروس انه يذوب في الماء، وهذه أول مرة اكشفها أمامكم، أنه يعيش في غلاف مائي معين، أو رذاذ سائل (يخرج مع السعال عادة) يسقط على مسطح يؤدي الى ذوبان الفيروس فيها. نحن لدينا القدرة على هندسة مواد خام رخيصة وسهلة التصنيع إضافة الى انها متوفرة.
الصنارة: كيف تمت معالجة المصابين بالفيروس، طالما أنه لا يوجد له دواء واضح حتى اليوم؟
د. شادي: طرق العلاجات التي استعملت حتى الآن كانت طبيعية. الانسان بطبيعته لديه مناعة قوية تقضي على الفيروس، يضاف الى ذلك نوعية النظام الحياتي الذي ينتهجه الانسان، مثل ممارسة الرياضة، الطعام وما شابه. ما يقدم للإنسان من دواء يأتي من باب تخفيف العوارض الطارئة. مثلا من لديه درجة حرارة مرتفعة يحولونه الى جهاز التنفس أو الحجر المنزلي، لأنه لا يوجد ما يقدمونه له من دواء. معظم الأدوية التي تعطى للمريض تهدف الى منع تكاثر الفيروس.
ان اعلان منظمة الصحة العالمية عن فيروس كورونا كوباء عالمي أمر خطير وكبير، خاصة أننا كنا في مرحلة التعلم عن الفيروس ونعيش معه. ومسألة تطوير أدوية ضد المرض تحتاج الى وقت طويل يستمر الى سنوات تمتد بين 10-15 سنة. ولأن الناس لا يعلمون ذلك فانهم يسألون كيف للدول العظمى أن تعجز عن إيجاد دواء. وحتى تتم المصادقة على الدواء يجب أن يمر بمراحل عديدة من الفحص والتجربة، وعندما يصل الى الانسان يخضع لثلاث مراحل من التجربة، أولا على مجموعة صغيرة من الأصحاء، بعدها مجموعة مصابين بالمرض في درجة خفيفة، وبعدها على مجموعة مرضى بدرجة عالية.
الصنارة: ماذا كانت طبيعة بحثكم الجديد، والى ماذا هدفتم من ورائه؟
د. شادي: المواد التعقيمية التي نستعملها ونقوم برشها مبنية على مركبات محدودة الفاعلية، مبنية على مركبات الكلور كمادة غير مستقرة، صغيرة المبنى ولها خاصية التطاير (التبخر). انها مثل المواد المتوفرة في البيت، ممكن أن تقتل الفيروس لكن لا تزيل تلوث المسطح الذي يمكن أن يعود ويتلوث بعد دقائق معدودة.
لدى الفيروس القدرة على الانتقال من انسان لانسان أو من انسان الى مسطح الى انسان. هذا ظهر في فيديو وزارة الصحة والذي أظهر كيفية انتشار الفيروس وانتقاله من خلال تلك العوامل. للفيروس قدرة استثنائية للبقاء على المسطحات.
قمنا أولا بفهم المشكلة وتحليل الموجود، بعدها فكرنا في كيفية التغلب على السلبيات الموجودة، مثلا في المستشفى يقومون بتعقيم الأجهزة والمسطحات عدة مرات في اليوم (وكذلك البيت) وهذا عمل مضن بحد ذاته، فما بالك في المصانع والأماكن العامة فالأمر يتطلب مجهودا جبارا.
فكرة البحث تمحورت حول تطوير مواد ذكية ذات صفات معينة، لايجاد طرق للتعامل مع الفيروس بشكل مباشر او آني، مع القدرة على البقاء لفترات طويلة ونتكلم هنا عن اشهر، بحيث تقوم بعملية رش المواد في الأماكن العامة (وأيضا في المنازل)، لأننا نتبادل أجهزة ومواد وسلع في هذه الأماكن يمكن أنها تحمل الفيروس.
المواد التي طورناها بشكل معين تستهدف المركبات الأساسية، أو الصفات المميزة للفيروس التي تؤهله للبقاء على المسطحات لفترة طويلة، وقدرته على العدوى ووضع حد لها.
نحن نعيش في عصر البوليميرات، و" البوليمر" هو مركب ذو وزن جزيئي مرتفع مكون من وحدات جزئية مكررة. قد تكون هذه المواد عضوية أو غير عضوية أو عضوية معدنية، وقد تكون طبيعية أو اصطناعية في أصلها. 80% من الأجهزة والمسطحات التي نراها مصنوعة من البوليمرات سواء شاشة الحاسوب أو الخشب أو البلاستيك وما شابه.
الصنارة: هل تلقيتم دعما ماديا مقابل بحثكم هذا وما هو المميز في هذا الدعم؟
د. شادي: هذا البحث حصل على دعم سخي من المركز الأوروبي للابتكار والتكنولوجيا، المؤسسة المختصة بالصحة، وهذا التمويل يمنح لأول مرة لباحث وحيد من التخنيون، حيث جرت العادة تقديم التمويل لفريق بحث، حيث لا تتعدى نسبة النجاح أكثر من 3-4% في الحصول عليه. هدف التمويل دعم وتسريع عملية تطوير هذه المواد حتى مرحلة تحولها الى منتج في الأسواق مع نهاية العام.
هذه المواد فائدتها انها مناسبة ولديها القدرة على الحد من انتشار فيروسات مستقبلية، بحيث ان مبناها وطريقة عملها تحد من انتشار اعداد كبيرة من الفيروسات والميكروبات أمام موجات جديدة من عائلة كورونا. وخلاصة البحث يهدف الى توفير أدوات لمواجهة أوبئة مستقبلية نحن بغنى عنها، وما ينجم عنها مثل البطالة التي وصلت عندنا الى 26% وهي نسبة عالية.
البحث هو حصيلة تجارب في المختبر، عملنا مئات بولميرات مختلفة من حيث القدرة والبناء، حاليا نعمل ما يسمى ملاءمة. نأخذ مميزات إيجابية نجمعها وننتج منها المادة الأنجع. نحن في مرحلة دراسة هذه المواد، استخلاص العبر ودمج المميزات بالمادة الأخرى لانتاج مادة أمثل. توقعاتنا أن يكون المنتج جاهزا حتى نهاية السنة الحالية، هذا هدفنا الذي يتلاءم مع التمويل.
نحن كباحثين نعمل على الجانب التطويري، وكصناعة نعمل بالشراكة مع مؤسسات صناعية كبيرة ونسعى للاتفاق معها.
الصنارة: هل توصلتم الى تفاهمات مع شركات معينة لتقوم بتصنيع منتجكم الفريد والجديد؟
د. شادي: هناك عدة شركات متطورة ومتقدمة في مجال البحث على البشر أبدت رغبة مبدئية بالتعاون معنا، أولاها التي قمت بالتخصص لديها في بوسطن، شركة "موديرنا" والتي اجرت المرحلة الأولى من التجارب على البشر، ولديها نتائج أولية ايجابية جدا. وهناك شركة "اينو" ما زالت في المرحلة الأولى. شركة "اينفاكس" في المرحلة الأولى والثانية. شركة "فايزر"، "جونسون وجونسون" وشركة "سينوفاك" الصينية.
لا يمكن لأي شركة ان تغطي كل احتياجات السوق من تطعيمات الفيروس، ولهذا سنسمع في السنة القادمة عن انتاج ملايين التطعيمات.
الصنارة: وماذا تقول في مواد التعقيم التي نستعملها حاليا؟
د. شادي: مواد التعقيم الموجودة اليوم في السوق، فاعليتها محدودة مؤقتة، ولا يوجد ما يؤكد انها مضمونة بالتمام، وتقوم بانتاجها عدة شركات، والتقدير أنه في العام القادم سنسمع عن ملايين أنواع التعقيم. مثلا "الكو- جل" هو وسيلة مقبولة وجيدة للتعقيم وتحتوي على 70% من الكحول، لكن يبقى السؤال ما مدى فعاليتها. انها مادة تطير بسرعة وهذا ما نشعر به عندما نضعها على أيدينا، بينما نحن نسعى لأن تكون مادة التعقيم ثابتة لمدة طويلة.
الصنارة: ما هو الفارق بين التطعيم والدواء؟
د. شادي: الدواء يتعامل مع وضعية موجودة لتخفيف آلام المرض وما شابه، وهناك شركات متخصصة بإنتاج الدواء ضد الفيروسات وحصلت على موافقة من FDA وهدفها من الدواء تقليل مدة بقاء المريض في المستشفى من 15 يوما الى 11 يوما على سبيل المثال، ولا يعتبر الدواء في هذه الحالة "نوك اوت". أما التطعيم يقدم لكي يقي الانسان عندما يصاب بالمرض، فالتطعيم يمنح الجسم إمكانية تطوير مضادات طبيعية تتعامل مع الفيروس الحقيقي.
الصنارة: هل لديكم توجهات أخرى تعملون عليها حاليا وتجرون الاختبارات لها في مختبركم الخاص؟
د. شادي: نعم لدينا توجهات أخرى لعملنا المختبري حاليا ومنها: أولا، إيجاد جهاز بديل عن الكمامة، وهذا الجهاز سيكون صغير الحجم، يمكن تحمله ولا يزعج في الأيام الحارة كما يحدث في هذه الأيام، وهدفه منع دخول الفيروس للجهاز التنفسي، واذا دخل يعمل الجهاز للقضاء على الفيروس، وهذا سيتم الإعلان عنه خلال فترة قريبة.
ثانيا، العمل على إيصال العلاج والدواء للمنطقة المستهدفة من قبل الفيروس، فبدل ان يقدم الدواء للمريض ويدخل لجميع أنحاء الجسم كما هو حاليا، ويمكن أن يسبب أضرارا لبعض الأعضاء وخاصة الكلية، نحن نعمل على تطوير طرق ذكية تضمن العلاج الموضعي، تطوير أدوية تعمل فقط في المكان الذي أصيب من جسم الانسان.
الصنارة: انتشر في مجتمعنا استخدام الكفوف والكمامات للوقاية من فيروس كورونا، لكن لم يكن هناك التزام بالنظافة أو نقصت ثقافة التعامل مع تلك الوسائل في مجتمعنا، ما هو رأيك في الموضوع؟
د. شادي: عندما بدأ فيروس كورونا في الصين، لاحظنا مدى استخدام الكمامات والكفوف هناك، وهذا لم يأت من فراغ انما لأن الصين سبق وتعرضت لفيروسات من قبل، واعتاد الناس هناك على استخدام الكمامات والحفاظ على بعد اجتماعي، وذلك بفضل تأسيس جمعيات للعلاج أجرت تجارب وأدخلت هذه الثقافة التي اعتاد الناس عليها. أما عندنا فلم تتكون تلك الثقافة لأننا لم نمر بمثل تلك التجارب، ولهذا عندما طلب من المواطنين استخدام الكمامات والكفوف والحفاظ على التباعد، لم تنجح التجربة، ووجدنا من يقذف بالكمامات والكفوف للأسف في أي مكان عام دون اهتمام بوسائل الوقاية، أو استخدام نفس الكمامة والكفوف لساعات طويلة خلال النهار وهذا خطأ قاتل.
مهم لفت نظر الناس الى كيف تستعمل الكفوف، فبعد استعمالها للحظات ولغرض معين يجب ان تنزعها فورا. لا يعقل ان تشتري الخضار وتبقي الكفوف ثم تصعد الى السيارة وتقودها، ثم تذهب الى حانوت آخر وتعود الى البيت والكفوف في يديك. هنا تتعرض الكفوف الى تلوث لذا يجب ازالتها فور انهائك المهمة.
الصنارة: هل هناك علاقة بين ارتفاع درجات الحرارة وبين اختفاء فيروس كورونا؟
د. شادي: كل ذلك عبارة عن تخمينات تقول أن الحرارة المرتفعة تحد من انتشار فيروس كورونا. الموضوع ما زال قيد البحث والدراسة وهناك دائما يحصل جديد، لكن الموضوع لم يحسم بعد. لأن الفيروس يعيش في بيئة من الرذاذ السائل (وهو ليس كائن حي)، فارتفاع درجة الحرارة يجعل البيئة الحاضنة تتخلى عنه وينهار مبنى الفيروس المتعارف عليه. هل هذا مثبت وصحيح؟ كلا! لذا نلاحظ أن دولا عديدة ذات حرارة مرتفعة، يقوى فيها المرض مثل البرازيل، المكسيك وحتى الصين التي قيل أنها تغلبت على المرض، نرى أن حالات جديدة تعود اليها.




>>> للمزيد من مقالات ومقابلات اضغط هنا

اضافة تعليق
مقالات متعلقة